ابن قيم الجوزية

330

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

حَصْحَصَ الْحَقُّ . أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ . وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه ما . والقول في مثل هذا لا يحذف ، لئلا يوقع في اللبس . فإن غايته : أن يحتمل الأمرين . فالكلام الأول أولى به قطعا . والثاني : أن يوسف عليه السلام لم يكن حاضرا وقت مقالتها هذه ، بل كان في السجن لما تكلمت بقولها الآن « حصحص الحق » والسياق صحيح صريح في ذلك . فإنه لما أرسل إليه الملك يدعوه قال للرسول ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ ، فَسْئَلْهُ : ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ . فأرسل إليهن الملك وأحضرهن ، وسألهن ، وفيهن امرأته . فشهدن ببراءته ونزاهته في غيبته ، ولم يمكنهن إلا قول الحق ، فقال النسوة حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وقالت امرأة العزيز أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . فإن قيل : لكن قوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ الأحسن أن يكون من كلام يوسف عليه السلام ، أي إنما كان تأخيري عن الحضور مع رسوله ليعلم الملك أني لم أخنه في امرأته في حال غيبته ، وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين . ثم إنه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذا من تمام معرفته صلّى اللّه عليه وسلّم بربه ونفسه . فإنه لما أظهر نزاهته وبراءته مما قذف به أخبر عن حال نفسه ، وأنه لا يذكيها ولا يبرئها ، فإنها أمارة السوء ، لكن رحمة ربه وفضله هو الذي عصمه . فرد الأمر إلى اللّه بعد أن أظهر براءته . قيل : هذا وإن كان قد قاله طائفة . الصواب أنه من تمام كلامها ، ولكن فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه . وهو قول النسوة ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وقول امرأة العزيز أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ هذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر . ثم اتصل بها قوله :